ابن الجوزي
204
بستان الواعظين ورياض السامعين
وما للنفس عندك مستقر * إذا ما استكملت أجلا ورزقا تفكروا في الملوك العتاة ، والجبابرة والطغاة ، الذين عمروا الدنيا وملكوها وأقطارها ، وسكنوا المشيد من قصورها ، كانوا أشد منكم قوة وآثارا ، وأقوى أجساما وأطول أعمارا خلفوا ما كسبوا للأهل والأحباب ، وعمر ديارهم من بعدهم الأصحاب ، وانصرم عنهم الليل والنهار ، ونزلوا على ما عملوا من الأوزار ، فلو أبصرتموهم بعد قليل في ظلمات القبور وقد تقطعت منهم الجلود ، وتمزقت الخدود ، وضيقت على أبدانهم اللحود ، واتخذ الخليل من بعدهم خليلا وصارت أبدانهم للدود مقيلا . فتفكر يا أخي وكن إلى التوبة مسرعا عجولا ، ولا تطع الشيطان إنه كان للإنسان خذولا ، وكونوا أولياء الرحمن ولا تكونوا أولياء الشيطان ، فعسى اللّه أن ينجيكم من عذاب النيران ، ويدخلكم برحمته الجنان . وأنشدوا : اعمل لمثواك في الضريح * واندم على فعلك القبيح ولا تقصر وفيك روح * فسوف تبقى بغير روح واقرح الخد من دموع * بالجد من قلبك القريح والتمس الصفح قبل يوم * تنقل فيه إلى الصفيح يا نفس إنّي غدا طريح * والترب يحثى على الطريح نوحي فلو قد حواك قبر * لم تقدري فيه أن تنوحي أحبابي قوموا بنا إلى الحزن والبكاء وإلى طول الأسف والأسى ، لعل اللّه يرحمنا في ظلمات القبر وعسى ، فإن القبر ينادي في الصباح والمسا . قيل وقف بعض الصالحين في المقابر وأنشأ يقول : أغضاب أحبابنا أم رقود * فإلى كم يكون هذا الصدود إن تكونوا قوما نياما فهبوا * كم تناموا عنا ونحن قعود أو تكونوا هجرتمونا بذنب * كان منا فإننا لا نعود حكي عن بعضهم رضي اللّه عنه أنه قال : مات لي صديق فاغتممت عليه لما كان فيه من الصلاح والخير وحسن الطريقة ، فرأيته بعد موته في المنام فسألته عن حاله فأنشأ يقول :